ابن العربي
679
أحكام القرآن
وأما القاضي أبو زيد فبناه في « 1 » أسرار اللّه على أصل ، وهو أنه قال : السرّ فيه أنّ الجناية في الإحرام على العباد ، فقد ارتكب كلّ واحد منهم محظورا في إحرامه . وإذا قتل صيدا في الحرم فإنما أتلف نفسا محترمة ؛ فكان بمنزلة ما لو أتلف جماعة دابة ، فإن كلّ واحد منهم قاتل دابة ، ويشتركون في القيمة ، وهذا مما يستهين به علماؤنا ، وهو عسير الانفصال . وقد عوّل علماؤنا على أنّ الرجل يكون محرما بدخوله في الحرم ، كما يكون محرما بقلبيته « 2 » بالإحرام ، وكلّ واحد من الفعلين قد أكسبه صفة تعلّق بها نهى ، فهو هاتك لها في الحالين . وأبو حنيفة أقوى منا ، على « 3 » أن علماءنا قالوا : إذا قتل الصيد في الحلّ وهو محرم فعليه الجزاء ، وإن قتله في الحرم « 4 » فعليه حكومة ، وهي : المسألة الثامنة والعشرون - وقال بعضهم : لا جزاء في صيد الحرم أصلا . وقال سائر العلماء : حرمة الحرم كالإحرام ، واللفظ فيهما واحد ، يقال : أحرم الرجل إذا تلبس بالإحرام ، كما يقال : أحرم إذا دخل في الحرم حسبما تقدّم بيانه ، فلا معنى لما قاله من أسقط الجزاء فيه ، ويضعف قول علمائنا لاقتضاء اللفظ لوجوب الجزاء وعموم الحكم في ذلك كله . المسألة التاسعة والعشرون - وكذلك كفّارة العبد إذا أحرم أو دخل الحرم ككفّارة الحرّ سواء ؛ لكن يكون حكمه في الكفارة المالية والبدنية مختلف الحال ، كما سيأتي في آية الظّهار إن شاء اللّه تعالى . المسألة الموفية ثلاثين - إذا قوّم الطعام فاختلف العلماء أين يقوّم ؟ فقال قوم : يقوّم في موضع الجناية ؛ قاله حماد وأبو حنيفة ومالك وسواهم . ومنهم من قال : يقوّم حيث يكفّر بمكة . وروى عن الشعبي . وهذه مسألة مشكلة جدا ؛ فإن العلماء اختلفوا في الوقت الذي تعتبر به قيمة المتلف ؛ فقال قوم : يوم الإتلاف . وقال آخر : يوم القضاء . وقال آخرون : يلزم المتلف أكثر القيمتين من الإتلاف إلى يوم الحكم ، واختلف علماؤنا كاختلافهم .
--> ( 1 ) في ل : على . ( 2 ) في ل : بتلبسه . ( 3 ) في ل : كما . ( 4 ) في ا : الحل .